ملا محمد مهدي النراقي

270

جامع السعادات

العصافير تشوش عليه ، فلم يزل يطيرها بخشبة هي في يده ويعود إلى فكره ، فتعود العصافير ، فيعود إلى السفير بالخشبة ، فقيل له : إن هذا سير الواني ولا يتقطع ، فإن أردت الخلاص فأقطع الشجرة . فكذلك شجرة الشهوة ، إذا استعملت وتفرعت أغصانها ، إنجذبت إليها الأفكار انجذاب العصافير إلى الأشجار ، وانجذاب الذباب إلى الأقذار ، والشغل يطول في دفعها . فإن الذباب كلما ذب آب ، ولأجله سمي ذبابا ، وكذلك الخواطر . وهذه الشهوات كثيرة قلما يخلوا العبد منها ، ويجمعها أصل واحد ، وهو حب الدنيا ، وذلك رأس كل خطيئة ، وأساس كل نقصان ، ومنبع كل فساد . ومن انطوى باطنه على حب الدنيا حتى مال إلى شئ منها لا يتزود منها ويستعين بها على الآخرة ، فلا يطمعن في أن تصفو له لذة المناجاة في الصلاة . فإن من فرح بالدنيا فلا يفرح بالله وبمناجاته ، وهمة الرجل مع قرة عينه ، فإن كانت قرة عينه في الدنيا انصرف همه لا محالة إليها . ولكن - مع هذا - لا ينبغي أن تترك المجاهدة ، ورد القلب إلى الصلاة ، وتقليل الأسباب الشاغلة ، فهذا هو الدواء ، ولمرارته استبشعته الطباع ، وبقيت العلة مزمنة ، وصار الداء عضالا . حتى أن الأكابر اجتهدوا أن يصلوا ركعتين لا يحدثون أنفسهم فيهما بأمور الدنيا ، فعجزوا عنه . فإذا لا مطمع فيه لأمثالنا ، ويا ليت سلم لنا من الصلاة ثلثها أو ربعها من الوساوس ، لنكون ممن خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا . وعلى الجملة : فهمة الدنيا وهمت الآخرة في القلب مثل الماء الذي يصب في قدح فيه خل ، فبقدر ما يدخل فيه الماء يخرج منه الخل لا محالة ، ولا يجتمعان . ثم جميع ما ذكر إنما هو في الخواطر المتعلقة بالأمور المهمة من الدنيا ، حتى إذا خرجت هذه الأمور من القلب ، خرجت منه هذه الخواطر أيضا . وقد تكون الخواطر من مجرد الوساوس الباطنة والخيالات الفاسدة ، من دون تعلقها بشغل وعمل دنيوي يكون لها ، ومن دون اختيار للعبد في خطورها وعدم خطورها ، والأمر فيها أصعب ، وإن كان لقلع حب الدنيا وشهواتها عن القلب مدخلية عظيمة في زوالها أيضا ، إذ مادة هذه الوساوس أيضا ، إما حب المال وحب الجاه ، أو حب غيرهما من الأمور الشهوية